الشيخ محمد النهاوندي
544
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
أقول : الرّبا في الشّرع قسمان : ربا المعاوضة ، وربا القرض . أمّا الأوّل : فهو معاوضة جنس بجنسه - إذا كانا مكيلين أو موزونين - مع الزّيادة في أحد العوضين . فيعتبر في الرّبا المعاملي أمران : اتّحاد الثّمن والمثمّن في الجنس ، وكونه مكيلا أو موزونا . فإذا تحقّق الشّرطان تعتبر المساواة ، وتحرم الزّيادة ، بلا خلاف نصّا وفتوى ، سواء كانت المعاملة بصيغة البيع أو الصّلح أو غيرهما على الأظهر ، لإطلاق الرّوايات وعموم العلّة . وأمّا الثاني : فهو إقراض مال - مكيلا كان أو موزونا ، أو غيرهما - مع شرط النّفع بالعين ، أو الصّفة ، أو تمديد أجل الدّين بشرط النّفع . ولا ريب أنّه بكلا قسميه من الكبائر ، حيث أوعد اللّه الآكلين له والمتصرّفين فيه بأنّهم لا يَقُومُونَ من قبورهم حين بعثهم منها إِلَّا كَما يَقُومُ المصروع الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ويصرعه الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ قيل : إنّ من عذاب أكل الرّبا أنّه يحشر في القيامة مجنونا ، ويكون ذلك سيماهم يعرفون به في المحشر . وقيل : إنّ التّعبير عن الجنون أو الصّرع بالخبط الحاصل من مسّ الشّيطان ، مبنيّ على زعم العرب من كون الجنون والصّرع حاصلين من مسّ الشّيطان والجنّ . وقيل : إنّ آكل الرّبا يعظم بطنه في المحشر ، بحيث يقوم ويسقط من ثقله ، وسائر النّاس يوفضون إلى المحشر ، وهو لا يقدر على سرعة المشي ، بل لعظم بطنه وثقله بسبب أكل الرّبا ، ينهض ويسقط كالمصروع « 1 » ، لا أنّه يصير مصروعا أو مجنونا . عن القمّي رحمه اللّه و ( المجمع ) : عن الصادق عليه السّلام قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لمّا أسري بي إلى السّماء رأيت قوما يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر لعظم بطنه ، فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون الرّبا ، لا يقومون إلّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشّيطان من المسّ ، فإذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النّار غدوّا وعشيّا ، يقولون : ربّنا متى تقوم السّاعة » الخبر « 2 » . وفيه دلالة على وجود عالم الصّور والمثال . ذلِكَ العذاب المقرّر للمربين « 3 » معلّل بِأَنَّهُمْ بنوا على حلّيّة الرّبا ، حتى جعلوه أصلا ، وشبّهوا
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 436 . ( 2 ) . تفسير القمي 1 : 93 ، مجمع البيان 2 : 669 ، تفسير الصافي 1 : 278 . ( 3 ) . المربي : من يأتي الربى .